استضاف معهد الدراسات الإسماعيلية (ӰԺ) مؤتمراً بعنوان "المستقبل الرقمي: العلوم الإنسانيات الرقمية في الدراسات الإسلامية" في الفترة من 28 إلى 29 أيار 2026، في مركزالآغا خانوهو لقب منحه شاه بلاد فارس للإمام الإسماعيلي آنذاك في عام 1818، وورثه كل من خلفائه في الإمامة.بلندن. وقد نظّمت هذا المؤتمر الذي استمر يومين، وبُثّ أيضًا عبر الإنترنت، وحدة المجموعاتالإسماعيلية الخاصة(ISCU)، حيث جمع باحثين وأرشيفيين وتربويّين وتقنيين من مختلف أنحاء العالم لاستكشاف الطرق التي تُعيد بها المناهج الرقمية تشكيل دراسة التراث الإسلامي، وما يعنيه هذا التحوّل بالنسبة للمؤسسات والمجتمعات ونظم المعرفة المرتبطة به.
على مدى العقد الماضي، انتقلت مناهج الإنسانيات الرقمية - من الرقمنة على نطاق واسع والتحليل الحاسوبي للنصوص إلى تصوير الشبكات والذكاء الاصطناعي التوليدي (AI) - إلى صميم عمليات إنتاج المعرفة وتنظيمها ومشاركتها. وبالنسبة للدراسات الإسلامية، تفتح هذه التطورات إمكانيات جديدة للتعامل مع مجموعات المخطوطات، والشهادات الشفوية، والأرشيفات متعددة اللغات، والممارسات المعيشة للمجتمعات المسلمة المعاصرة. كما تطرح تساؤلات ملحّة بشأن السلطة والوساطة والأخلاقيات وإمكانية الوصول. وقد سعى المؤتمر إلى معالجة هذه التساؤلات من خلال إقامة حوار مستدام يجمع بين البحث التجريبي والتأملات المنهجية والممارسات المؤسسية.
الحفاظ على التراث الإسلامي والوصول إليه في العصر الرقمي
افتُتح المؤتمر صباح يوم 28 أيار بجلسة حول الأرشيفات، والثقافة المادية، والحفاظ على التراث، برئاسة الدكتور أليكس هينليمن معهد الدراسات الإسماعيلية. واستندت الأوراق البحثية إلى عمل وحدة المجموعات الإسماعيلية الخاصة (ISCU) لدراسة كيف تُحوّل الأدوات الرقمية سبل الوصول إلى مجموعات التراث. واستكشفت نورين علي كيف يمكن لمعايير IIIF (الإطار الدولي لتوافق الصور) أن تجعل مجموعات المخطوطات أكثر قابلية للاكتشاف والمشاركة على نطاق واسع. وتناولت مشعل غيلاني معرضًا افتراضيًا للأرشيفات الفوتوغرافية، وما يكشفه عن التراث الرقمي، والسلطة الدينية، والانتماء المجتمعي. واستند رضوان كريم إلى مشروع التاريخ الشفهي التابع لوحدة ISCU لإظهار كيف يمكن لتقنية التعرّف الآلي على الكلام (ASR) أن تُنتج انحيازًا لغويًا، يشوّه الشهادات متعددة اللغات ويُهمّش تلك الأصوات نفسها التي تسعى الأرشيفات إلى الحفاظ عليها.
وسّعت جلسة ثانية، تناولت الذكاء الاصطناعي والتأويل والابتكار التربوي، نطاق هذه المناقشات لتشمل قضايا البحث العلمي والتعليم. وتناول الدكتور داريوش محمد بور خطر المحاكاة المنهجية في البحث القائم على الذكاء الاصطناعي، مقترحًا نموذجًا لـ"الاستقصاء التوليدي" يحافظ على الصرامة المعرفية. واستكشف الدكتور نجم عباس كيف يمكن لأدوات السرد الرقمي أن تُشرك الجماهير الأصغر سنًا بالتراث الفكري الإسماعيلي، في حين تناولت فرح ناز من جامعة الآغا خان كيف يمكن للتعلّم المني الخاص بمعلّمي العلوم الإنسانية أن يواكب التحوّل من العمل بالقطع الأثرية إلى التصميم بالخوارزميات.
الكلمة الرئيسية
ألقت، أستاذة التاريخ والمديرة المؤسِّسة لمركز الإنسانيات الرقمية في ). وتقود البروفيسورة سافانت (المعرفة، وتقنية المعلومات، والكتاب العربي) ومشروع "KITAB-Transform" التابع للمجلس الأوروبي للبحوث. وفي محاضرتها المكوّنة من جزأين، استعرضت الأعمال الحالية والناشئة في مجال الإنسانيات الرقمية، مع تركيز خاص على الدراسات الإسلامية، وقدّمت دراسات حالة توضّح أشكال المعرفة الجديدة التي تتيحها هذه المناهج. ورأت أن معظم الأبحاث الأكاديمية البارزة في مجال الإنسانيات الرقمية توسع نطاق المناهج الإنسانية التقليدية إلى مستوى لا يمكن لأي باحث بمفرده تحقيقه. كما تناولت البروفيسورة سافانت موضوع البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مشيرةً إلى أن الباحثين ذوي الدراية بالأنماط المشتركة بين اللغات والثقافات هم في وضع أفضل لمعالجة الأسئلة المألوفة والمستحدثة على حدٍّ سواء.
وطوال حديثها، حثّت البروفيسورة سافانت الحضور على النظر إلى الأساليب الرقمية لا بوصفها انقطاعًا عن الدراسات الإنسانية، بل استمرارًا لها. وأشارت قائلة: "إذا كنتَ قد بحثتَ من قبل في فهرس مكتبة، أو كتبتَ عبارة في محرك غوغل، أو بحثتَ عن كلمة في قاموس إلكتروني، فأنت بذلك قد استخدمتَ أساليب رقمية." وأضافت: "فالسؤال ليس ما إذا كنا نستخدم الأساليب الرقمية أو حتى الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدمها - ومدى فهمنا لتلك الأساليب التي نعتمد عليها بالفعل." وكان هذا التوصيف بمثابة الإطار الذي حدّد طابع النقاش اللاحق، حيث وضعت البروفيسورة سافانت الذكاء الاصطناعي في سياق طيف طويل من الأدوات التي اعتمدت عليها الدراسات الإنسانية بهدوء على مدى عقود.
إذا كنتَ قد بحثتَ من قبل في فهرس مكتبة، أو كتبتَ عبارة في محرك غوغل، أو بحثتَ عن كلمة في قاموس إلكتروني، فأنت بذلك قد استخدمتَ أساليب رقمية. فالسؤال ليس ما إذا كنا نستخدم الأساليب الرقمية أو حتى الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدمها - ومدى فهمنا لتلك الأساليب التي نعتمد عليها بالفعل.
المنصات الرقمية، والهوية، والتفكير الأخلاقي
تناولت الجلسة الثالثة من اليوم الأول، برئاسة الدكتور داريوش بور، موضوع الفضاءات العامة شبه المؤسسية والسلطة الخوارزمية، مستكشفةً كيف تُعيد المنصات الرقمية تشكيل الحياة الدينية الإسماعيلية والذاكرة الجماعية خارج القنوات المؤسسية الرسمية. وتناول محمد علي سهيل المحتوى المرئي المولَّد بالذكاء الاصطناعي على صفحات إنستغرام الإسماعيلية المستقلة، مجادلًا بأن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تُنشئ بنية جديدة للهوية الرقمية يمكن فيها لجهات غير مؤسسية إنتاج محتوى مرئي ذي مصداقية. واستكشف مُبشر أرتاس كيف تبرز أنظمة نماذج اللغة الكبيرة (LLM) كوسيط أخلاقي بين الشباب الإسماعيليينأتباع فرع من الإسلام الشيعي يعتبر إسماعيل، الابن الأكبر للإمام الشيعي جعفر الصادق (توفي عام 765)، خليفته.، في حين وضع البروفيسور كريم ح. كريم من جامعة كارلتون هذه التطورات ضمن سياق أوسع من التقاليد الأخلاقية الإسلامية.
افتُتح اليوم الثاني بجلسة حول الذاكرة والمجتمع والدين الرقمي، برئاسة الدكتور ديفيد بينيت من معهد الدراسات الإسماعيلية. وتناولت نورين لاخاني كيف تعمل ثقافة الميمات الرقمية على منصات مثل إنستغرام وتيك توك وريديت بوصفها فضاءً يتم فيه التفاوض حول الأعراف المجتمعية الإسماعيلية من خلال السخرية والفكاهة. واستكشف محسن علي بيغ الحدود الأخلاقية التي يجري بناؤها حول تطبيق جاليبي، وهو تطبيق تعارف إسماعيلي، من خلال تحليل النقاشات التي ينشئها المستخدمون على منصة ريديت. واستند محمد سليم إلى الإثنوغرافيا الافتراضية لإظهار كيف تُحافظ المنصات الرقمية على الهوية العابرة للحدود الوطنية لدى شبكة الطلبة الإسماعيليين في المملكة المتحدة.
المناهج التعليمية، والحوكمة، ومستقبل التحرر من الاستعمار
وتناولت الجلسة الختامية، التي ترأسها الدكتور روي ويلسون، قضايا الحوكمة والمناهج التعليمية والنقد القائم على التحرر من الاستعمار. وتناول مهر الله حسيني أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي عبر الدول ذات الأغلبية المسلمة وتداعياتها على أفغانستان، داعيًا إلى نهج سياسي يدمج القيم الإسلامية مع مبادئ النزاهة الأكاديمية. واقترحت عابدة عليدينا نموذج الرؤية بعينين (Two-Eyed Seeing / Etuaptmumk)، وهو إطار تربوي ينتمي إلى شعب الميكماو (Mi'kmaw) - وهم من الشعوب الأصلية الأولى في أمريكا الشمالية - بوصفه عدسة تحويلية لإعادة تصور الدراسات الإسلامية الرقمية، مع التركيز على المساءلة العلائقية والوعي المرتبط بالأرض كبدائل للنماذج التكنوقراطية السائدة. وقدّم ألنور ناثانيوشامير علي براسلامنصة المناهج الرقمية التابعة لمعهد الدراسات الإسماعيلية، وهي بوابة تعليمية متعددة اللغات تعمل على توسيع نطاق الوصول العالمي إلى منهاج تعليم (Ta'lim) الخاص بالمعهد، لفائدة الطلاب والمعلمين وأفراد الجماعات في مختلف أنحاء العالم.
أكد مؤتمر"المستقبل الرقمي"الالتزام الراسخ لمعهد الدراسات الإسماعيلية بالاستكشاف المسؤول للتقاليد الفكرية الإسماعيلية والإسلامية الأوسع نطاقاً. ومن خلال جمعه بين مشاركين تتراوح خبراتهم من طلاب الدكتوراه إلى كبار الباحثين، ومن أرشيفيين إلى تربويين وتقنيين، أوجد المؤتمر منتدى لحوارات متواصلة حول ما يعنيه "التحول الرقمي" لهذا الحقل، وإمكاناته، ومخاطره، والمجتمعات التي يتعرض تراثها ومعرفتها للخطر.